منتديات نجوم مسيلة
عزيزي الزائر منتدي مسيلة يرحب بك الرجاء التسجيل في منتدانا ولك جزيل الشكر علي تعاونك معنا ورحلة طيبة في منتدانا وشكرا .
ادارة منتديات نجوم مسيلة

جسور المهندس روبرت مايلرت الثورية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ايقونات جسور المهندس روبرت مايلرت الثورية

مُساهمة من طرف ishak-gtu في الخميس سبتمبر 23, 2010 2:43 pm




الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا

من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله

تحية طيبة وبعد ،،


جسور المهندس روبرت مايلرت الثورية


بنى المهندس السويسري مايلرت بعض أكبر الجسور في القرن

العشرين، وأدت تصاميمه إلى حل مشكلة هندسية أساسية بشكل

أنيق، وهي: كيفية تحميل أوزان ضخمة على جسر في هيئة قوس رقيق.




مثلما كانت جسور السكك الحديدية تشكل الرموز الإنشائية الكبيرة في القرن التاسع عشر، فإن جسور الطرق السريعة highway أصبحت الشعار الهندسي للقرن العشرين. وقد أدى اختراع السيارات إلى وجود حاجة ملحة إلى الطرق الممهدة وإلى جسور المركبات في جميع أرجاء البلدان المتقدمة. إن طراز الجسر اللازم للسيارات والشاحنات يختلف بشكل أساسي عن ذلك اللازم للقاطرات؛ فأغلب جسور الطرق السريعة تخضع لحمولات أخف من تلك التي تتحمَّلها جسور السكك الحديدية، كما يمكن للطرق المشيدة فوق الجسور أن تكون ذات منعطفات حادة أو منحدرات شديدة. ولتلبية هذه المتطلبات، فقد بدأ العديد من مصممي الجسور أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين باستعمال مادة بناء جديدة، ألا وهي الخرسانة المسلحة (البيتون المسلح) التي تحتوي على أسياخ حديدية مغروزة فيها. وقد كان الحُجة في هذه المادة الجديدة هو المهندس الإنشائي السويسري <روبرت مايْلرت> الذي صمم عددا من أكثر الجسور أصالة وأكبرها تأثيرا في العصر الحديث.

ولد مايلرت في مدينة بِرن عام 1872، ودرس الهندسة في معهد الپوليتكنيك الفدرالي في زيوريخ. وفي وقت مبكر من انطلاقته المهنية، طور طريقة فريدة لتصميم الجسور والأبنية ومنشآت خرسانية أخرى. وقد استبعد التحليل الرياضياتي المعقد للأحمال (الحمولات) والإجهادات، الذي كان متَّبعا بحماسة عند أغلب معاصريه. وفي الوقت نفسه تحاشى الأسلوب التزييني الذي اتبعه كثير من مُنشئي الجسور في عصره، وقاوم تقليد الطرز المعمارية وإضافة عناصر مصممة فقط للزخرفة. لقد كانت طريقة مايلرت شكلا من البديهة المبدعة، إذ امتلك براعة في تصور أشكال جديدة لحل المشكلات الهندسية التقليدية. ولما كان مجال نشاطه ينحصر في حقل شديد المنافسة، فإن الناحية الاقتصادية كانت أحد أهدافه. وقد فاز بعدد من عطاءات (عقود تكليف) التصميم والإنشاء، لأن منشآته كانت معقولة الكلفة، وغالبا ما كانت أقل سعرا من عروض سائر منافسيه. إن أفضل طريقة لفهم تقنيته هي الاطلاع عن كثب على أضخم أعماله التي توضح رؤيته المستقلة.

إن إحدى البصمات المميزة للهندسة الحديثة هي استعمال الرياضيات لتحليل التصاميم. فبتطبيق المبادئ الأساسية للميكانيك، يستطيع المهندسون حساب الإجهادات والانفعالات (قوى الشد) المتكونة في المنشأة عند خضوعها للأحمال ـ مثل أوزان المركبات على الجسور، أو قوى الرياح المؤثرة في ناطحة سحاب. إن مثل هذا التحليل زاد بشكل كبير من المقدرة على التنبؤ بأداء هذه المنشآت، مما مكّن المهندسين من تحديد ما إذا كانت الجسور والأبراج التي يصممونها قادرة على تحمل الزلازل الشديدة والأعاصير العاتية. ولكن الاعتماد على التحليل الإنشائي أدى، على النقيض، إلى تقييد رؤية بعض المهندسين. ففي كثير من الأحوال يفترض المهندسون المعاصرون أنه إذا لم يتم تحليل المنشأة بشكل دقيق، فإنه لا يمكن بناؤها.

ولكن أول جسر مهم بناه مايلرت نقض هذا الفرضية؛ ففي عام 1900، عندما كان مايلرت يعمل لمصلحة شركة التشييد فروتيه وڤيسترمان في مدينة زيوريخ، بدأ بتصميم جسر على نهر إنْ في المدينة السويسرية الصغيرة زوز. وقد أراد المسؤولون المحليون منذ البداية أن يكون الجسر من الفولاذ وذلك لعبور نهر بعرض 30 مترا، إلا أن مايلرت أقنعهم بأنه قادر على بناء جسر أكثر أناقة من الخرسانة المسلحة وبنفس الكلفة تقريبا. وقد استلزمت خططه استعمال قوس (عقد) واحد مع مفاصل hinges عند المساند abutments والتاج crown (نقطة منتصف الجسر)، وذلك لتجنب إجهادات الانحناء عند تلك النقاط. إن هذا الابتكار الحاسم تمثل في دمج قوس الجسر وجسم الطريق معا ليشكلا ما يسمى جسرا قوسيا بصندوق أجوف hollow- box arch، وهو أمر سيؤدي بشكل جوهري إلى تخفيض تكاليف الجسر عن طريق تخفيض كمية الخرسانة اللازمة لإنشائه.

في الجسور القوسية المعتادة ينتقل وزن الطريق بوساطة أعمدة إلى القوس، التي يجب أن تكون سميكة نسبيا لإبقاء إجهادات الانحناء منخفضة تحت الأحمال الناجمة عن حركة السير على الطريق. ولكن في تصميم مايلرت، تم ربط جسم الطريق بالقوس عن طريق ثلاثة جدران رأسية، مكونةً بذلك صندوقين أجوفين يمتدان تحت جسم الطريق [انظر الشكل في أعلى هذه الصفحة]. تتمثل الميزة الكبرى لهذا التصميم في أنه في معظم فتحة الجسر يتم نقل الأحمال بوساطة الأجزاء الثلاثة للصندوق الأجوف وهي: ظهر الجسر والقوس والجدران. (يُلاحظ أنه بالقرب من المساند ينتقل الحمل إلى القوس ومفاصل المساند). ولما كان من المفترض عدم قيام القوس وحده بحمل الأحمال، فإنه يمكن أن يكون أقل سماكة وبمقدار ثلث سماكة قوس في جسر تقليدي.





كان القوس ذو الصندوق الأجوف أول عمل تجديدي مهم قام به مايلرت في تصميم الجسور الخرسانية. ففي جسر القوس التقليدي (في الأسفل، الصورة العلوية) يتم نقل حمل الطريق بوساطة أعمدة إلى القوس، والذي يجب أن يكون سميكا نسبيا للإبقاء على إجهادات الانحناء منخفضة، أما في القوس ذي الصندوق الأجوف فإن جدرانا رأسية هي التي تصل بين جسم الطريق والقوس، وبالنسبة إلى القسم الأكبر من فتحة الجسر يتم تشارك الحمولة من قبل جسم الطريق والجدران والقوس. استعمل مايلرت هذا التصميم في عام 1901 لبناء جسر زوز الرشيق بكلفة منخفضة (الصورة توضح جسر زوز).

استعمل مايلرت تحليلا بيانيا بسيطا لتقييم جدوى هذا التصميم. ولم يكن ممكنا إجراء تحليل إنشائي دقيق، لأنه لم يكن باستطاعة أي مهندس حينذاك حساب الإجهادات بدقة في قوس خرساني ذي صندوق أجوف، إذ إن الرياضيات الخاصة بهذا القوس كانت، بكل بساطة، معقدة جدا. وعندما تم استدعاء أكبر خبراء الإنشاءات في سويسرا في ذلك الوقت وهو ڤيلهلم ريتر ليكون استشاريا لمشروع زوز، سلّم بأنه غير قادر على تحليل جسر مايلرت رياضياتيا. وعلى الرغم من ذلك فقد أقر بأن الجسر الذي صممه مايلرت مقبول وأوصى ببنائه. وتم الانتهاء من بناء الجسر عام 1901 واجتاز بنجاح تجربة الحمولة القصوى، حيث جرى قياس الهبوط في المنشأة عند عبور عربات ثقيلة تجرها الخيول عبر فتحة الجسر. لقد شكل الجسر نجاحا ماديا، على الرغم من أنه كان لغزا رياضياتيا.

ولكن في العامين التاليين ظهرت تشققات في الجدران الرأسية بالقرب من مساند الجسر. وقد نتجت هذه التشققات من الجفاف التدريجي للمنشأة، وذلك بتشكل إجهادات شد في الجدران عندما بدأت بالتقلص، ولكنها كانت محصورة بين القوس وجسم الطريق، اللذين كانا معرَّضين للرطوبة، وبذلك كانت عملية جفافهما أبطأ. وهذا العيب لم يهدد سلامة الجسر، ولكنه دفع مايلرت إلى تصحيح هذا العيب، عندما صمم عام 1905 أول تحفه الرائعة، ألا وهي جسر تاڤانازا، على نهر الراين في منطقة جبال الألپ السويسرية.

في هذا التصميم استبعد مايلرت الأجزاء من الجدران الرأسية الواقعة مباشرة بجوار المساند، التي لم تكن جوهرية لأنها لم تكن معرضة لأي أحمال. وإضافة إلى التخلص من مشكلة التشققات، فقد أدى التعديل الذي أجراه إلى الوصول إلى شكل للجسر أكثر رشاقة وأخف وزنًا [انظر الشكل في يسار هذه الصفحة]. وقد أوفى هذا الشكل تماما بالمتطلبات الإنشائية للجسر: لقد كان رقيقا عند التاج (منتصف الجسر) والمساند، ولكن عميقا عند ربع الفتحة، في النقطتين الواقعتين في منتصف المسافة بين التاج والمساند، حيث تكون الأحمال الناتجة من حركة السير أكبر ما يمكن على قوس ثلاثي المفاصل three- hinged arch. ومما يؤسف له أن جسر تاڤانازا دمره عام 1927 انهيار تيهور (كتلة ثلجية ضخمة)، لم يكن باستطاعة أي جسر أن يقاومه.

خزانات المياه ومستودعات البضائع

مرت إبداعات مايلرت في الفترة الأولى من دون أن تثير انتباه أحد، ولم يحظَ جسر تاڤانازا في سويسرا إلا بقليل من التقدير الشعبي، بل على العكس أدى إلى اعتراضات جمالية قوية من قبل المسؤولين، من الذين كانوا اعتادوا رؤية الجسور ذات الطراز القديم والواجهات الحجرية. ولم يستطع مايلرت، الذي كان قد أسس شركة تشييد خاصة به عام 1902، الفوز بأي مشروعات جسور جديدة، لذا فقد ركز على تصميم المباني وخزانات المياه ومنشآت أخرى تستعمل فيها الخرسانة المسلحة.




تبين مخططات جسر تاڤانازا (الصورة في الأعلى) التحسينات التي أدخلها مايلرت على تصميمه الخاص بالقوس ذي الصندوق الأجوف، حيث استعمل جدارين رأسيين فقط لربط جسم الطريق بالقوس وألغى مجموعة الجدران القريبة من المساند. وقد انتهى تنفيذ هذا الجسر في عام 1905 (الصورة في الأسفل) على نهر الراين ولكنه دمّر بسبب تيهور avalanche في عام 1927.

كانت شركته قد بنت في وقت سابق القاعدتين الخرسانيتين لخزاني غاز كبيرين في مدينة سانت گالن السويسرية. إن هاتين المنشأتين الأسطوانيتي الشكل تُملآن بالماء لمنع تسرب الغاز، وقد صمم مايلرت القواعد بحيث تكون خفيفة مثل جسوره، حيث استعمل فقط ربع كمية الخرسانة التي كان يقتضي استعمالها بموجب المخططات الأصلية للمدينة. وتوصل إلى هذا التخفيض المثير بأن قام بتحليل هذه المنشآت كما لو كانت براميل مياه عادية بأضلاع رأسية وأطواق دائرية [انظر الشكل في الصفحة 27]. ويتم توازن ضغط الماء على الأضلاع الرأسية في البرميل عن طريق قوى الشد المحيطية في الأطواق، مما يؤدي إلى تماسك الأضلاع بعضها ببعض. وقد علَّل مايلرت ذلك بأن الأسياخ الحديدية المغروزة في الخرسانة المسلحة يمكن أن تؤدي الوظيفة نفسها، وهكذا أمكن تخفيض سماكة جدران القاعدة نسبيا.

إن التحليل البياني لهذه المسألة الهندسية عند مايلرت، الذي نُشِر عام 1907، تجنب التعقيد الرياضياتي. وعلى الرغم من ذلك يمكن تطبيقه على أية حاوية مياه أسطوانية الشكل، مهما كان شكلها. وفي السنة نفسها ظهرت معالجة رياضياتية دقيقة لهذه المسألة، وأصبحت هذه المقاربة بالتدريج سائدة في المهنة. ومن سخرية الأقدار أن هذا الأسلوب الرياضياتي كان معقدا إلى حد أن المهندسين لم يتمكنوا من إيجاد الحلول إلا لعدد قليل من الأشكال البسيطة.





يشاهد التطور في التصميم عند مايلرت من مقارنة جسر فالتشلباخ (في الأعلى)، الذي أنشئ عام 1925، بجسر شڤاندباخ الذي أُنجز عام 1933 (في أسفل الصفحة المقابلة). فجسر فالتشلباخ الذي يقع بالقرب من مدينة دوناث في الجنوب الشرقي من سويسرا له مساند حجرية رومانسكية، وقوس ذو انحناء سلس وجسم طريق مستقيم؛ أما جسر شڤاندباخ الواقع في الغابات جنوب برن فليس له مساند حجرية وقوسه متعدد الأضلاع والطريق فوقه ذو انحناء أفقي.

وعندما بدأ مايلرت بالعمل على تصميم أبنية خرسانية من مصانع ومستودعات بضائع وغير ذلك من المباني واجه مشكلة فنية أخرى، وهي كيف يتم حمل أرضيات المنشآت المعرضة لأحمال ثقيلة. ففي التصاميم التقليدية كانت الأرضيات عبارة عن بلاطات slabs مسطحة من الخرسانة مع عوارض girders أفقية موضوعة تحت كل بلاطة، بحيث إن البلاطات تنقل الأحمال إلى العوارض الأفقية، التي تنقلها بدورها إلى أعمدة المبنى. وقد بحث مايلرت عن ترتيب أبسط وأقل كلفة يتم فيه حمل البلاطات الخرسانية من دون استعمال كمرات (2) beams أفقية. لقد حاول مهندسون آخرون حل هذه المسألة مستعملين التحليل الرياضياتي، ولكن النتائج كانت غير مرضية. وبدلا من أن يتصارع مايلرت مع المعادلات الرياضياتية قام بعمل نماذج من البلاطات الخرسانية وأجرى عليها تجارب في ساحة شركة التشييد التي يمتلكها.

وفي أول مبنى ذي بلاطات مسطحة نفذه مايلرت عام 1910، وهو مبنى مستودع للبضائع في زيوريخ، استعمل أعمدة تبرز قمتها على شكل تيجان تندمج في البلاطات التي فوقها. وقد أعطت هذه الأنواع من الأعمدة ركائز أكثر قوة نتيجة تقليل مساحات البلاطات غير المرتكزة. كما أن لهذه التيجان شكلا جماليا، حيث صمم مايلرت تيجان الأعمدة بحيث تنساب على شكل منحن ذي قطع زائد من البلاطة الأفقية إلى الأعمدة الرأسية الثمانية الأضلاع. وقد استعمل مايلرت أعمدة مماثلة في مبنى فيلتر بسويسرا، الذي تم بناؤه عام 1912 [انظر الشكل في الصفحة 39]. وتظهر هذه التصاميم كيف أن مايلرت كان يبحث عن أشكال جميلة، منخفضة التكاليف، وتفي بالوظيفة المخصصة لها.



جسر قوسي غير متصلب

القوس ذو الظهر الجاسئ. فكر مايلرت في هذا القوس كطريقة لمعالجة الأحمال الحية (أوزان حركة السير على الجسر) التي لا تكون موزعة بانتظام، فإذا تركزت حركة السير على الجانب الأيسر من جسر القوس التقليدي (الصورة في اليمين)، فإن الحمولة ستدفع الجهة اليسرى من القوس إلى الأسفل والجهة اليمنى إلى الأعلى (الانحرافات المبينة في الصورة مبالغ فيها)، لذا يجب أن يكون القوس سميكا بما يكفي للإبقاء على إجهادات الانحناء منخفضة، ولكن في حالة القوس ذي الظهر الجاسئ (الصورة في أقصى اليمين) فإن ظهر الجسر (الطريق) يتم تجسيئه بدرجة كبيرة بإضافة حديد التسليح إلى حاجزي (درابزين) الجسر على كلا جانبي الطريق. كما أن ظهر الجسر (جسم الطريق) يرتبط بالقوس بوساطة جدران عرضية، بحيث تمنع القوس من الارتفاع أو الانخفاض، ويسمح هذا التصميم باستعمال قوس نحيف لأن قوى الانحناء عليه تكون في حدها الأدنى.

صوت في الفلاة

منذ مطلع عام 1912 ازدهرت شركة مايلرت بحصولها على مشروعات كبيرة في روسيا القيصرية، التي كانت قد بدأت توّا بنهضة التصنيع. ولكن اندلاع الحرب العالمية الأولى حجز مايلرت وأسرته في روسيا، وفَقَد بذلك ثروته، بل حتى كاد يفقِد حياته أثناء الثورة الشيوعية. ورجع إلى سويسرا عام 1919، ثم بدأ بعد سنوات قليلة العمل ثانية في الجسور الخرسانية. وكانت أهم انطلاقة له في هذه الفترة هي تطوير القوس ذي الظهر الجاسئ deck- stiffened arch، الذي كان أول مثال له جسر فلينگليباخ المنشأ عام 1923. وقد انبعثت الفكرة من تحليل مايلرت لتأثير الأحمال الحية (وهي وزن حركة السير على الجسر) عند إضافتها إلى الأحمال الميتة dead load (وهي الوزن الذاتي للجسر).

يمكن اعتبار الجسر القوسي كما لو كان كَبْلا مقلوبا. ينحني هذا الكبل إلى الأسفل عندما يعلّق به ثقل ما، وقوى الشد الموجودة في هذا الكبل تتوازن مع هذا الثقل. الجسر القوسي ينحني إلى الأعلى ليرتكز عليه الطريق، ويتوازن الانضغاط في القوس مع الأحمال الثابتة. ولكن إذا ما قام المهندس بتثبيت شكل القوس لينطبق مع الأحمال الثابتة فعندئذ لا يمكن تغييره. إن إضافة الأحمال الحية إلى القوس ستؤدي إلى انحنائه، ولا سيما عندما تكون الأحمال غير متماثلة ـ مثال ذلك عندما تتوقف شاحنة ثقيلة على أحد جانبي طريق الجسر. ولذلك يجب أن يكون القوس متينا وسميكا بقدر كاف لمقاومة الانحناء.

تُظهر الجسور التي صممها مايلرت في الفترات الأخيرة سعيه الدؤوب للوصول إلى أشكال جديدة. فجسر ڤيسي (في الأعلى، الصورة اليمنى) الواقع في ضواحي جنيف له قوس متكسر ووجهه السفلي يصل إلى نقطة عند قمة القوس، وتتميز الجدران ذات الأشكال المتقاطعة على شكل x والتي تدعم جسم طريق الجسر بالخطوط الأفقية الناتجة من القوالب الخشبية المستعملة في عملية الإنشاء (في الأعلى، الصورة اليسرى). أما في جسر لاخن الذي أنجز عام 1940 (في الأسفل، الصورة اليمنى)، فإن الخطوط الأفقية للقوالب الخشبية أبرزت نحافة القوس وسماكته عند المفاصل السفلية (في الأسفل، الصورة اليسرى).

ولكن، ولأسباب جمالية، أراد مايلرت إنشاء قوس أكثر نحافة. وكان الحل الذي توصل إليه هو وصل القوس بجسم الطريق بوساطة جدران عرضية [انظر الشكل العلوي في الصفحة 24]، ولما كان القوس وجسم الطريق سينحنيان معا، فإن القوى المسببة للانحناء (وهي ما يسميها المهندسون عزم الانحناء) سوف تتوزع بين القوس وجسم الطريق بما يتناسب مع جسوءتهما stiffness. وقد قدر مايلرت بأنه إذا كان جسم الطريق أكثر صلابة من القوس، فسيكون عزم الانحناء كله تقريبا مؤثرا في جسم الطريق، وسيكون التأثير في القوس قليلا جدا ويمكن إهماله. وبهذه الطريقة برر مايلرت جعل القوس بأقل سماكة ممكنة. وقد استطاع أن يقوِّي جسم الطريق لجسر فلينگليباخ، وذلك بإضافة كمية أكبر من حديد التسليح على كلا جانبي الطريق، اللذين استُخدما كذلك حواجزَ حماية للمركبات على الجسر.

وقد جاءت تحليلات مايلرت بشأن سلوك الجسر مطابقة بصورة دقيقة لما بينته تجارب التحميل بالحمولة القصوى، ولكن السلطات السويسرية الهندسية المسؤولة، والمشكَّلة من الأساتذة في معهد الپوليتكنيك الفدرالي (المعهد الذي تخرج فيه مايلرت) عارضوا هذه الطرائق خلال ربع القرن اللاحق. وقد رأى خصوم مايلرت الأكاديميون أن هذا الأسلوب طائش وخطر، وأصروا على ضرورة القيام بتحليل رياضياتي يتطلب دراسة مفصلة حول التآثر بين جسم الطريق والجدران والقوس. ولكن هذا الأسلوب غالبا ما يكون صعب التطبيق في الحياة العملية، لأنه يقود إلى عدد كبير من المعادلات المتلازمة (الآنية)، حتى لو كان الجسر صغيرا. أما اليوم فإن مثل هذه المسائل يمكن حلها بشكل ناجح وفوري بوساطة الحاسوب، ولكن التركيز الرياضياتي يمكن أن يؤدي إلى ابتعاد المهندسين عن التفكير الخلاق في تصميم الجسور.

وفي السنوات العشر التالية ركَّز مايلرت على إدخال تحسينات على المظهر الذي يراه المشاهد للقوس المتصلب مع جسم الطريق. ويمكن أن نلحظ هذا التحسين بمقارنة جسر فالتشلباخ Valtschielbach الذي نفذه عام 1925 بجسر شڤاندباخ Schwandbach الذي نفذه عام 1933. إن كلا القوسين نحيل بشكل غير عادي، ولكن الجسر الذي نفذ أولا كان تقليديا أكثر من الآخر، إذ إن له مساند من الطراز الرومانسكي Romanesque وقوسا ذا انحناء سلس وجسم طريق مستقيما. وعلى عكس ذلك فإن جسر شڤاندباخ ليس له مساند حجرية، وقوسه متعدد الأضلاع polygonal، وجسم الطريق فيه ذا انحناء أفقي [انظر الشكل السفلي في أسفل الصفحة 24]. إن هذه التعديلات أعطت جسر شڤاندباخ شكلا أصيلا رائعا، مما جعل هذه المنشأة البعيدة في الفلاة السويسرية أحد أعظم الجسور الخرسانية في القرن العشرين.

الهندسة الإنشائية في مواجهة الهندسة المعمارية

إن من أشهر المنشآت التي صممها مايلرت جسر سالگيناتوبل Salginatobel الذي شيد عام 1930 [انظر الشكل في الصفحتين 20 و 21]. واستند التصميم إلى فكرة القوس ذي الصندوق الأجوف، التي استخدمت في تصميم جسر تاڤانازا المدمر، ولكن مع بعض التحسينات. فقد حذف مايلرت بعض الصلات مع الطرز القديمة، مثل المساند الحجرية ذات الطراز الرومانسكي. وفاز التصميم الجديد في المنافسة لتنفيذ المشروع لأنه كان أرخص العروض التسعة عشر المقدمة، وتم تنفيذ الجسر والطريق بكلفة بلغت 000 700 فرنك سويسري فقط، وهو ما يعادل اليوم نحو 3.5 مليون دولار. وكان جسر سالگيناتوبل يمثل أطول فتحة قام مايلرت بتنفيذها بطول 90 مترا، وكان أكثر منشآت مايلرت إثارة، إذ كان مقوسا بارتفاع 80 مترا فوق واد عميق يجري فيه جدول مياه سالْكينا. وقد أصبح هذا الجسر في عام 1991 أول جسر خرساني اختير ليكون مَعْلَمًا تاريخيا عالميا في مجال الهندسة المدنية.



قاد التحليل البياني مايلرت إلى تصميم قاعدتين خرسانيتين لخزانين كبيرين في سانت گالِنْ بسويسرا. فبينما يعتمد المخطط الأصلي (في الأعلى) على جدران خرسانية سميكة لمقاومة ضغط المياه الموجود في المنشأة، نجد أن مخطط مايلرت (في الأسفل) يعتمد على المقاومة من قوى الشد المحيطية في أسياخ الحديد المغروزة في الخرسانة، مما يسمح بجعل الجدران أقل سماكة.

وبعد بضع سنوات من تنفيذ جسر سالگيناتوبل، انتقد مايلرت تحفته العظيمة، نادما على اعتماده الشكل المستدير للسطح السفلي من القوس بالقرب من قمة الجسر (منطقة التاج)، فقد كانت تلك الاستدارة ـ من وجهة نظره ـ استرجاعا آخر لا لزوم له لأسلوب قديم، وصحَّح خطأه في تنفيذ جسر فيلزگ في عام 1933، الذي يحتوي على قوس متكسّر broken arch، حيث يصل السطح السفلي للقوس إلى نقطة عند قمة الجسر.

وفي عام 1936 أنهى مايلرت تنفيذ جسر آخر لافت للنظر، وهو يقع في ڤيسي بضواحي مدينة جنيف. وقد حسَّن بهذا الجسر تصميمه ذا القوس المتكسر، وذلك بتحريك مفصلي المسندين باتجاه الفتحة، وبإضافة فاصل رأسي عند المفصل الأوسط، مشددا بذلك على كسر استمرارية القوس [انظر الشكل العلوي في الصفحة 26]. ويلفت النظر بصورة خاصة استعمال مايلرت جدرانًا متقاطعة حاملة لجسم الطريق ومنفذة على شكل حرف x. إن هذا اللعب بالشكل يخلق انطباعا جميلا، وإضافة إلى ذلك فإن الجدران المتقاطعة تتناسب مع المتطلبات الإنشائية للجسر، لأن تقاطع الجدران على شكل x يتلاءم مع توزيع عزوم الانحناء التي يسببها التمدد الحراري لجسم الطريق، والتي تبلغ قيمتها العظمى في أعلى الجدران وأسفلها، وتكون قريبة من الصفر عند منتصف الارتفاع. ومن الملامح الشائقة الأخرى سلسلةُ الخطوط الأفقية التي تشكلت على بعض الجدران المتقاطعة نتيجة ألواح القوالب الخشبية التي استعملت في عملية التشييد. إن هذا الطراز من الخطوط على الجدران المتقاطعة يشبه لوحة الخيمة المزدوجة Doppelzelt للفنان السويسري < P. كلي>، وهو من معاصري مايلرت.

يستعمل المشيِّدون عادة القوالب الخشبية المشكَّلة لإعطاء السطوح الخرسانية المكشوفة صفة نسيجية مميزة ومظهرا جميلا، وتكون النتيجة ما يسمى أحيانا «الخرسانة المعمارية» architectural concrete. ففي عام 1939، وقبل وفاة مايلرت بعام واحد، أدخل قوالب خشبية مشكَّلة في تصميم جسر لاخن على الشاطئ الجنوبي لبحيرة زيوريخ، حيث توجد سلسلة من الخطوط الأفقية الممتدة على سطح القوس وعلى الجدران الرأسية للصندوق الأجوف التي تعلو القوس [انظر الشكل السفلي في الصفحة 26]. وقد سلّط هذا التشكيل الضوء على نحافة القوس، وعلى سماكته عند المفاصل السفلية.


ولأن مايلرت اهتم كثيرا بمظهر الجسور التي يصممها، لم يرَ حاجة إلى إشراك مهندس معماري لإكمال تصاميمه. وفي وقت مبكر من ممارسته المهنة اضطر للتعاون مع مهندسين معماريين في العديد من الجسور التي صمَّمها، وذلك لإرضاء المسؤولين المحليين، حيث أطلق على ذلك اسم «النفور الرجعي» atavistic antipathy لابتكاراته، ولكن مايلرت عمل بمفرده في أغلب التصاميم المهمة التي نفذها ـ وكان يزدري ـ بشكل خاص ـ محاولات بعض المعماريين إعطاء الجسور «مظهرا تذكاريا فخما» monumental.


وكان مايلرت يقدِّر حقيقة أن بعض المعماريين والكتاب في شؤون العمارة architectural writers كانوا ناقدين مهرة في تصميم الجسور. وغالبا ما يعترفون بالجودة العالية للمنشآت التي صممها مايلرت قبل أن يفعل ذلك زملاؤه المهندسون. وفي عام 1947، أي بعد 7 سنوات من وفاة مايلرت خصَّص قسم العمارة في متحف الفن الحديث في مدينة نيويورك معرضا كبيرا لأعماله. ومن المفارقات أنه حتى ذلك الحين لم يكن قد سمع عن مايلرت إلا قلة من المهندسين الإنشائيين الأمريكيين.



تندمج الأعمدة التي تتسع تدريجيا بسلاسة في البلاطة الخرسانية التي فوقها في مبنى فيلتر بمدينة رورشاخ السويسرية والذي بُني عام 1912. وقد سمح تصميم مايلرت بأن تقوم الأعمدة بحمل البلاطة المحملة بأوزان ثقيلة من دون الحاجة إلى كمرات أفقية.

وفي السنوات اللاحقة، أدرك المهندسون أن جسور مايلرت لم تكن بهيجة جماليا فقط، وإنما أيضا لا تضاهى من الناحية التقنية. وبعد الحرب العالمية الثانية أصبح القوس ذو الصندوق الأجوف هو شكل التصميم السائد في الولايات المتحدة للجسور الخرسانية ذات الفتحات المتوسطة والطويلة. وفي سويسرا باشر أخيرا الأساتذة في معهد الپوليتكنيك الفدرالي بتدريس أفكار مايلرت التي أثّرت بعدئذ في جيل جديد من المصممين. وأحد أشهر أتباع مايلرت هو المهندس السويسري < Ch. مِن>، الذي قام بتصميم عدد مميز من الجسور القوسية ذات الجسم الجاسئ اعتبارا من أواخر الخمسينات. وفي بداية السبعينات بدأ المهندسون الأمريكيون أيضا بإنشاء الجسور القوسية ذات الجسم الجاسئ.

ومن زاوية تاريخية، إذا نظرنا إلى مايلرت فإنه يندرج في عداد التقليد الهندسي الذي أسسه كل من < T. روبلينگ> [مصمم جسر بروكلين] و< G. إيفل>، مصمم العديد من الجسور الرائعة وبالطبع برج إيفل. فبالنسبة إلى هؤلاء الرجال الثلاثة كان التصميم يأتي في المقام الأول. فقد ابتدؤوا بالأشكال التي عبّرت عن رؤيتهم للفن الإنشائي، ثم استعملوا طرقا تحليلية بسيطة لتطوير مخططاتهم. إن أعمال مايلرت تُقدم درسا قيما للمهندسين الحاليين، فقد كان قادرا على تصميم جسور بالغة الأصالة، وكذلك منشآت صناعية، لأنه كان يمتلك الحس الفني وخبرة التشييد الواسعة، والبراعة التقنية العميقة. وفي الفن الحديث للهندسة الإنشائية فإنه لا بد من توفر هذه الصفات الثلاث مجتمعة.

ishak-gtu
مراقبين
مراقبين

عدد المساهمات : 39
نقاط : 2730
تاريخ التسجيل : 23/09/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى